قرية في جنوب مصر، عام 2023. الأرض متصدعة من الجف

اف، والمياه الجوفية اختفت تحت بنايات سكنية مشروع

ة على الورق فقط. الدولة غير موجودة إلا ببطاقة ال

رقم القومي وبس. النساء يجمعن المياه من صنبور واح

د، ويحكين بعيونهن لما يتحرك الرجالة. هنا، البطول

ة مش بالسلاح ولا بالخطابة — دي بشيال مكسور وراية

نظافة متسخة.

سُكينة، أرملة عمرها تلاتة وثلاثين، بتدفن زوجها ب

دون إذن الشيوخ. التقاليد بتطلب إن الدفن يبقى برج

ال القبيلة، وبإشراف كبير العائلة. هما رفضوا، علش

ان زوجها اتهم قبل موته بالسرقة من أرض متنازع علي

ها. سُكينة مشت ورا التراب وحدها، حفرت بيديها، وو

ارته تحت شجرة زيتون قديمة في حوشها. أول مرة في ا

لتاريخ، جثة تتحط كده من غير مراسم.

القبيلة تعلن الحظر: ما حد يكلمها، ولا يشتري منها

، ولا يشاركها ميراث الأرض. القانون المدني متعرفش

يتدخل، لأن "الأعراف" هنا أعلى من المحك

مة. بس سُ

كينة فاتحة صالون نسائي في الدور العلوي بتاع بيته

ا — مش للشعر ولا للتجميل، لا للحديث عن الرجال. ا

لنسوة يجيون يسمعوا. كل ليلة، بتحكي قصة ورا الأخر

ى عن اللي حصل، بطريقة تخلّي الظلم يبدو مضحك. تحك

ي عن شيخ القبيلة وهو بيصرخ على ديك في الفجر، ويح

سب نفسه خليفة. تحكي عن ابن العم اللي هرب من الجي

ش ورجع بسيارة إسعاف مستعملة من تركيا. الكلام ينت

شر كأنه تسريب صوتي، بس هو مش مسجل — هو بس الذاكر

ة النسائية، المتداولة من فم لذكريات.

العالم هنا بقى بيستجيب للهمس. القرية كلها بدأت ت

قلد لهجة سُكينة في الحديث: نبرة فيها سخرية مبطنة

، حتى لما يتكلموا عن الموت. الأطفال يقلدون الشيخ

وهو بيعد فلوس من ورق عادي. السوق الصغير بقى ملي

ان رسومات كاريكاتورية ممنوعة، لكن ما حدش يقدر يق

ول مين اللي رسمها. السلطة التقليدية بدأت تفقد ال

وقار — والوقار كان سلاحهم الوحيد.

بعد ستة شهور، واحد من أبناء العمومة، اللي كان ضد

التصريح بدفنها، وقع في البئر القديم. الناس مشت

تشوف، ولقت جسمه مربوط بحبل من خرقة حمرا — نفس لو

ن فستان سُكينة يوم الدفن. ما حدش قال إنها عملت ح

اجة، بس كل واحدة في الصالون ابتسمت ابتسامة صغيرة

، وكأنها بتقرأ نهاية كتاب كانت عارفة بيها من أول

صفحة.

سُكينة ما طلعتش من البيت بعدين. بس اسمها بقى يتر

دد في كل حارة، ليس كضحية، ولا كبطلة، لا كشيء كأن

ه طقس جديد. الدولة جات تسجل الأحداث، وسألت عن "ا

لمرأة اللي بتنظم الاجتماعات". الجيران قالوا

: "مش

اجتماعات، دي حكايات قبل النوم".

الصالون انطفأ بعد سنة. بس من وقتها، أي قرار في ا

لقرية يتحط تحت سؤال غير مكتوب: "ودي سُكينة كانت

هتضحك عليه؟". العالم هنا ما اتغيرش بالسلاح ولا ب

القانون. اتغير بالضحكة اللي ما تموتش.