الضوء الخافت على حائط الشقة في حي الدقي يقطر من
نافذة مغلقة منذ شهرين، جدرانها تُغطى بخطابات انت
خابية ممزقة. رجاء، الحبيبة المخطوبة، تقف أمام مر
آة تنعكس فيها صورة امرأة لا تعرف كيف تُحِسُّ بال
فرح بعد أن وُضع اسمها في قائمة "الأسماء المُستهد
فة" من قبل لجنة مراقبة الشأن العام.
في نفس الليلة، تُرسل رسالة إلى أسرتها: "المنزل م
ُراقَب". لا توجد كلمات، فقط رقم هاتف من تلفون ذك
ي مُحمول بداخله شريحة تُستخدم لأول مرة في تاريخ
العائلة — نظام جديد للاتصال السري لم يعد ممكنًا
بدون تصريح خاص من وزارة الاتصالات. النظام الجديد
، الذي بدأ في 2018، يتطلب من كل مواطن تسجيل معلو
ماته الحيوية تحت طائلة حرمانه من الوصول إلى الكه
رباء أو الإنترنت إذا لم يُثبت "ولاء سياسيًا مُؤك
َّدًا".
في اليوم التالي، يُحرَق مكتب محامي الأسرة في الز
مالك، ويدخل جارهم، ضابط سابق في الأمن القومي، مع
خطة مكتوبة بيد زوجته القائمة على تزويج رجاء. ال
خطوة الثانية: تُرفع قضية على والدها بتهمة "نشر م
علومات مضللة حول المؤسسات الحكومية" بسبب مقال صغ
ير في مجلة محلية عن إضراب عمال النظافة. الضغط يب
دأ بفعل الجماعة التي تتكون من كبار الموظفين الذي
ن يسيطرون على جميع الأماكن العامة.
في الليل، تُسجّل رجاء فيديو بصوتها الصامت، تُمسك
بهاتفها وتُقرّر أن تُنهي التخطيط. لكن في تلك ال
لحظة، يُطفئ الكهرباء في الحي كله — ليس انقطاعًا،
بل عملية منظمة. في الظلام، تُرى أشخاص يحملون أد
وات تُشبه أجهزة تفتيش، يدخلون المنازل، يأخذون ال
هواتف، يُحرقون وثائق. أحد الرجال يقف أمام باب رج
اء، يرفع قناعًا مُرسوم عليه شعار "الدولة الجديدة
". لا يتكلم. فقط يضع يده على رأسها، ثم يخرج.
بعد ذلك، تُرسل رسالة إلى الوسطاء: "لا تقبلوا أي
اتفاق. أنا مستعدة للدفع". لا أحد يرد.
في صباح اليوم الثالث، تُفتح الشقة، وتُلقى رجاء ع
لى الأرض، وجهها مُغمض، جسدُها يحمل آثارًا من تدخ
ل مباشر، لكنها لم تُصب بالرصاص. الجهاز الطبي الم
ُستخدم في مكانها يقول إنها توفيت بسبب "فشل في ال
تنفس المُسبب بالضغط النفسي"، وفقًا لقانون الطوار
ئ رقم 45.
العائلة تُقدّم شكوى. لكن النظام الجديد لا يُقبل
شكوى من دون تسجيل هوية الرقم الوطني. والرقم الوط
ني مُلغى لدى رجاء لأنه كان "مُستخدَمًا بشكل غير
مشروع".
في المساء، تُعاد ملكية الشقة إلى الدولة، وترفع ل
افتة على الجدار: "المكان مُتاح للاستخدام الحكومي
".
ولا أحد يذكر اسمها في الحفلة التي تُقام في المبن
ى المجاور.
الصمت يصبح سلاحًا أقوى من الكلام.


