القاهرة 1983، زمن الكاسيتات والترانزستورات، وضجة
الانفتاح تملأ الأزقة بصخب الملاكمة والنساء العا
ملات والملابس الضيقة. الشوارع تهتز بين التقاليد
والليبرالية، وبين الفقر والبهرجة. نظام الشرف الع
ائلي ما زال يحكم البيوت، لكن القوانين تتآكل: من
اختفى لم يعد مجرد مفقود، بل أصبح خطيئة تُحجب. ال
قانون غير المكتوب يقول: "العرض قبل الجسد&qu
ot;، ومن ف
قدته تُطعن فيه أسرته إلى الأبد.
ليلى، امرأة في العشرين من عمرها، تختفي من بيتها
في إمبابة بعد سهرة غريبة مع صديقاتها في صالون تج
ميل نسائي جديد. زوجها، أحمد، يرفض التحرك، يجلس أ
مام التلفزيون طوال الليل، يكرر شريط فيلم "الحرما
ن" دون انقطاع. طفلتها رنا، ثلاث سنين، تصرخ في ال
سرير ولا أحد يسمع. الصباح التالي يجد الجيران قد
بدأوا الحديث: "مش راحت عند حد؟ ولا عملت حاجة تخج
ل منها؟".
أم نادية، والدة ليلى، تصل من قنا على متن قطار ال
ليل. لاجئة سياسية منذ عام 52، كانت ضمن جيل الثور
ة، هربت من بطش الملك ثم دخلت تحت الرادار بعد أن
اتهم زوجها بالشيوعية. الآن، مسنة في السبعين، لكن
ذاكرتها حادة كسكين. ترفض أن تصدق أن ابنتها "هرب
ت" أو "انحرفت". تبدأ بالسؤال، تدق
أبواب الجيران،
تجمع الخيوط من لمحات وعيون مائلة.
في حارة الضوء، تسمع عن امرأة تدعى فاطمة، كانت تر
قص في سهرة الزفة الأخيرة. فاطمة تعاني من "نوبة ز
ار" منذ أسبوع، وتتحدث بكلمات لا أحد يفهمها. نادي
ة تزورها، ترى على جدران الغرفة صور شمعية مقلوبة،
وتمائم من الجوز والملح. تدرك أن هناك سحرًا شعبي
ًا دخل البيت من باب الحسد. تطلب من فاطمة أن تكتب
اسم "الراجل اللي وقف ورا الاختفاء". فا
طمة ترسم
دائرة بالحناء، تسقط في نوم عميق، ثم تهمس باسم: "
عماد".
عماد، شقيق أحمد، كان يعمل في الخليج، عاد قبل شهر
بجيب جديد وساعة ذهبية. الجميع ظنه ناجحًا. نادية
تتسلل إلى بيته في الليل، تجد في دولاب مطبخه حلق
شعر أسود، نفس لون شعر ليلى. تحت البلاطة رقم 7،
تكتشف صندوقًا خشبيًا عليه علامات رموز صوفية محرف
ة. داخله: صورة ليلى وهي تنام، ملفوفة بخيط أحمر،
ومذكرة مكتوبة بخط يده: "هي اللي رفضتني أول مرة..
. فقررت أخدها حقّي بليل".
نادية تعود إلى بيت ابنتها، تحضر معها شيخ زار من
الحسين، وتدفع له كل مدخراتها. أثناء الجلسة، تهتز
الأرضية، وتظهر رائحة تراب قديم من تحت السجادة.
الشيخ يصرخ ويقع أرضًا. نادية تنحني وتنظر: فتحة ص
غيرة مخفية، تحتها درج حجري.
تنزل وحدها. في القبو، تجد ليلى حية، مقيدة، عيناه
ا مغلقتان بضمادات، وجسدها مغطى بعلامات حروق بشري
ة. بجانبها رسالة مكتوبة بدم: "لو خرجت، الكل هيعر
ف إنها عايقة". نادية لا تصرخ. تربط ابنتها على ظه
رها، تصعد، وتطرق باب عماد في منتصف الليل.
الشرطة تأتي بعد ساعات. عماد ميت، معلقًا في حوش ا
لعمارة بحبل من سريره. لا أحد يدري كيف وصل هناك.
الجيران يصمتون. أحمد يبدأ يشاهد فيلم "الحرم
ان" م
ن الأول.
نادية تأخذ رنا وتعود إلى الصعيد. في محطة القطار،
تلقي بساعة عماد الذهبية في بركة مياه راكدة. الم
اء يغلي للحظة، ثم يهدأ. العالم لم يتغير، لكن بيت
ًا واحدًا سقط. الشرف عاد، لكن العار بقي مكتومًا
تحت البلاطة السابعة.


