القاهرة ما بقتش مدينة، بعد الانهيار الكبير نزل ا

لناس للأنفاق والمجاري القديمة، تحولت طبقات الأرض

السفلى لمجتمعات سرية تعتمد على الآبار العميقة ا

للي بقيت تغذيهم. من يملك البئر، يملك السلطة الحق

يقية، ومن يرفض يدفع "زكاة الماء"، يُطر

د إلى الأع

لى حيث الهواء السام لا يسمح بالحياة.

عائلة حسن، واحدة من أقدم العائلات النافذة في الط

بقة الثالثة تحت الأرض، كانت تدير شبكة توزيع شبه

رسمية باسم "لجنة الحي". أبو حسن، قبل م

وته بيوم،

كتب وصية خلفها: كل الممتلكات والحقوق في البئر ال

رئيسي تنتقل للابن الأصغر، أحمد، لأنه الوحيد اللي

كان يساعد الفقراء ويوزع الماء بدون مقابل. الابن

الأكبر، كمال، رفض يصدق، اعتبر القرار ظلم تاريخي

له، وهو اللي دافع عن العائلة في ثورات التسعينات

ضد العصابات.

كمال سرق الوصية أثناء جنازة الأب، أخفى الختم الر

سمي، ثم قدّم وثيقة مزوّرة باسمه كوصية رسمية. الل

جنة المؤقتة صدّقت عليه بحكم هيمنته العسكرية على

المنطقة. أصبح رئيسًا جديدًا، فرض نظام حصص جديد،

ضاعف الأسعار، وبدأ يعزل من يشكّ في ولائهم.

أحمد، الشاب الهادئ، اختفى أول أسبوعين. الكل اعتق

د أنه هرب للأعلى أو مات. ظهر فجأة داخل غرفة التر

شيح، حامل ملفًّا أصليًّا مختومًا ببصمة والده وسج

لات رقمية محفوظة في جهاز قديم كان مخبّى تحت حجرة

الصلاة. الجهاز كان محمي بكلمة سر مرتبطة بذكرى ز

واج والديه، فقط أحمد عرفها.

كمال رفض يسلم السلطة. استخدم حراسه لتطويق أحمد،

لكن الناس بدأت تتجمع. بدأ تسريب معلومات: كمال با

ع حق الوصول لبئر فرعي لعصابة من الطبقة الخامسة،

اللي بدأت تسرب مياه ملوثة. عشرات الأطفال ماتوا ب

التسمم. أحمد أعلن عن تحليلات مخبرية قديمة، أثبتت

أن كمال عرف بالخطر لكنه تغاضى عشان يكسب.

اللجنة انقلبت. الشعب طالب بإعادة الحكم حسب الوصي

ة. كمال حاول يهرب بالأرشيف، لكن الباب الحديدي لل

غرفة انغلق بسبب نظام الأمان التلقائي اللي بيشتغل

عند تسجيل "خيانة مائية". بقى محبوس.

أحمد رفض يفتح الباب. قال إن القانون الجديد اللي

أسسه أبوهم: "من يهدد حياة الجماعة، يُعزل لل

أبد".

المجموعة وافقت. كمال بقى وحيد في الظلام، بلا ما

ء، بلا صوت، مع الوصية المزورة في يده.

أحمد تولى إدارة البئر، لكنه لم يفرح. أول قرار ات

خذه: إلغاء نظام الحصص، فتح التوزيع المجاني الجزئ

ي. لكن في الليلة نفسها، سقط ميتًا من سُلّم البئر

. الطب الشرعي أكد: "سقوط عرضي" — لكن ا

لكاميرا ال

وحيدة انطفأت قبل الحادث بدقيقة.

السلطة الجديدة بدأت تشتد. البئر بقى تحت حراسة مش

ددة. اسم كمال مُحي من السجلات. أحمد دخل التاريخ

كضحية، وكمال دخل كخائن. الحقيقة بقت مدفونة تحت 2

7 طبقة من الإسمنت، مثل المدينة نفسها.

قانون الماء صار مقدس: "ما يُعطى إلا من خلال الوص

ية أو الموت". أي تحدٍّ له يُعدّ خروجًا على الجما

عة. النظام الجديد نجى، لكن الروح ما عادتش.