في حي شبرا الخيمة، عام 1978، توقفت خطوط إنتاج مص
نع الغزل عن العمل لأسبوعين بسبب "أعطال فنية
" لم
يرها أحد. العشرات من العمال، أغلبهم نساء، اصطفوا
أمام بوابة الإدارة دون رواتب. نادية، ابنة أحد ا
لعمال المُقال ظلماً، وقفت في الصف تحمل ملفات مست
ندات جمعتها من دفاتر والدها المختومة بالحبر الأز
رق الباهت. لم تُسمح لها بالدخول. البوابة سُدت بح
راس بلباس رسمي، يحملون أوامر مكتوبة: "لا استقبال
لأي شكوى إلا بعد تسجيل الزواج من موظف مركزي".
النظام الجديد، فُرض قبل شهرين باسم "الانفتاح الإ
داري"، يربط التوظيف الدائم، المساعدة الاجتماعية،
وحتى إصلاح خطوط الإنتاج، بعقد زواج بين ابنة الع
امل وموظف في هيئة التخطيط. لم يعد القرار بيدي ال
لجان، بل بخزانة صغيرة في مكتب "الزعيم الشعب
ي" عب
د الحليم، رئيس نقابة العمال الموالية للإدارة. كا
ن هو الوحيد الذي يملك المفتاح، وهو من يختار "الم
ناسبين" بناءً على "مدى ولائهم".
نادية، كباقي الفتيات، رفضت أول الأمر. لكن والدها
بدأ يسعل دماً، ورفض المستشفى استقباله دون "كعب
ضمان اجتماعي" يصدر فقط بعد الزواج من موظف معتمد.
في ليلة ماطرة، دخلت مكتب عبد الحليم، ووقعت على
عقد الزواج دون أن ترفع رأسها. لم تقل كلمة. هو ضح
ك، وضع الخاتم، وأرسل إشارة فورية عبر الراديو الس
لكي إلى مصنع الغزل: "الإنتاج يبدأ صباح الغد".
الزواج لم يُدمَج في سجلات المحكمة. تم تسجيله في
ملف "تنمية الموارد البشرية" تحت بند &q
uot;استقرار اجت
ماعي طارئ"، صادر عن وزارة غير موجودة رسمياً. هذا
الملف أصبح نظاماً موازياً: يفتح أبواب المستشفيا
ت، يوقف الإخلاء من الشقق الحكومية، ويمنح الأولوي
ة في توزيع الغاز والسكر. لكن كل خدمة تتطلب "تجدي
د الولاء" كل ستة أشهر — عبر تجديد عقد الزواج.
نادية، بعد شفاء والدها، لم تمدد العقد. في اليوم
التالي، تلقّت إشعاراً: "إيقاف الدعم الغذائي عن ا
لأسرة – حالة عدم امتثال إداري". في المساء، اقتحم
حراس المصنع منزل العائلة، وصادروا الدفتر الأحمر
الذي فيه توقيعات والدها. لكن نادية كانت قد سجّل
ت كل شيء. في أسبوع واحد، وزّعت نسخاً من العقود،
صوراً للراديو السلكي، وقائمة بأسماء 43 امرأة مرّ
رن بهذا الزواج.
في صباح الجمعة، بينما عبد الحليم يصلي في مسجد ال
حي، وجد أمام باب المسجد عشرات النساء يرتدين نفس
الجلباب الأبيض، يحملن النسخ نفسها. لم يصرخن. لم
يبكين. وقفن بصمت، صفوفاً منتظمة، مثل خطوط الغزل
المتوقفة. الغضب لم يكن في الصوت، بل في الثبات. ف
ي تلك اللحظة، تعطل الراديو السلكي. الحراس لم يتل
قوا أوامر. المصنع لم يفتح.
عبد الحليم استقال في اليوم التالي. لم يُحاسب، لك
ن اسمه حُذف من لوحة الشرف في النقابة. الملفات "ا
لبشرية" أُغلقت، وحلّ مكانها نظام رقمي مؤقت من وز
ارة العمل. نادية لم تتزوج مرة أخرى. لكن في كل شه
ر، تدخل مدرسة حكومية وتُعلّم فتيات كيف يقرأن الم
ستندات، وكيف يعرفن متى يصبح الزواج سلعة، ومتى يص
بح الغضب فعل تحرير.


