في عام 1987، عاد طيب عبدربه من العمل في الكويت ب
عد ثلاث عقود، جالسًا في سيارة أجرة قديمة تدخل حي
السيدة زينب، حيث الشوارع التي كان يعرفها ضاقت ب
الكشكولات الجديدة، وانطفأت نوافذ بيت عائلته.
وجد دفتره القديم على رف المطبخ، به اسم فتاة كتبه
قبل الرحيل — ليلى — ومعلومة واحدة: ابنته نادية
لم تُرَ منذ اختفت في سوق الحميدية أثناء تفشي "مر
ض العيون السودا"، الذي يجعل المصابين يصرخون بأسم
اء أموات قبل أن يعموا ثم يموتوا في صمت.
عرف من الجيران أن الوباء بدأ ببائع متجول باع تما
ئم من فخار أسود باسم "حجاب العار"، وأن
كل من لمس
التميمة وحمل في قلبه خزيًا ما، ظهر عليه المرض خ
لال سبعة أيام.
رفض الأطباء التدخل، والشرطة أغلقت السوق، لكن الن
ساء فقط هن من استطعن الدخول بعد الغروب، لأن الاع
تقاد انتشر أن الجنّ يحمون السوق الآن، ويقبلون فق
ط من يقدمن نذرًا بصندوق الصدقة المعلق على باب ال
مسجد المهجور.
طيب، رجل كبير، دخل السوق ليلاً حافي القدمين، حام
لًا صورة نادية مع شعرها الأسود الطويل، مثل أمها.
وضع الصورة في الصندوق، وقال في نفسه: "إن كنت سبب
عارها، فعلي لعنة وليس عليها".
في تلك اللحظة، تحرك الهواء، وظهرت أمامه امرأة بث
وب أبيض تشبه ليلى تمامًا، لكن عينيها كانتا زجاجي
تين، وناولته تميمة فخارية بها اسم نادية.
علم أن الوباء ليس مرضًا، بل نظامًا: كل من حمل شر
فًا مجروحًا أو عارًا مخفيًا، يُستدرج إلى السوق ل
يُحاسب. من يعترف، يُعطى فرصة؛ من يكذب، يفقد عيني
ه ثم حياته.
عاد إلى بيته، كسر التميمة، وأخرج منها خصلة شعر ن
ادية ملفوفة بورقة كتب عليها: "بابا، أنا عند خالي
في الإسكندرية. لا تبحث عني، عشتي مش هتتحمل".
في صباح اليوم التالي، كتب رسالة إلى الحي كله، عل
قها على باب المسجد، يعترف فيها أنه ترك ليلى حامل
ًا، ورفض الزواج خوفًا من فقدان فرصته في الخليج،
وأن نادية بنتهما.
الرسالة لم تُخفِ شيئًا، ولا حتى كيف بكى أول مرة
في ثلاثين سنة حين قرأ اسمه في دفترها الصغير.
epidemia توقفت بعد أسبوع. آخر مريض تعافى، والتما
ئم السودا تبخرت من كل البيوت.
طيب لم يعد إلى الخليج. فتح محل صغير لصيانة الساع
ات، بجانب نافذة يرى منها بنات الحي يمشين إلى الم
درسة.
مرة كل جمعة، يضع تميمة فخارية صغيرة على النافذة،
بداخلها خصلة شعر أبيض، واسم: "ليلى".
والناس يقولوا إن السوق ما بيفتحش إلا ليلة الجمعة
، لما يبدأ العداد يدق، ويدخل واحد بقلب نقي.


