في حارة سقارة القديمة، دُفن عقد ملكية أرض زراعية
تحت بئر مهجور بعد أن صادرته الدولة عام 1950 باس
م "الإصلاح الزراعي"، لكن الاسم لم يُكت
ب إلا باسم
المقاول سليم أبو شنب كغطاء.
العالم تغير: ما كان يُحكم بالعرف أو السجل العقار
ي، صار يُباع ببطاقة موظف فاسد وتوقيع على ورقة بي
ضاء — النظام نفسه أصبح سلعة.
سليم، المقاول الانتهازي، استثمر في الخراب قبل أن
يبدأ: اشترى شاحنات الهدم قبل خروج قرار تجريف ال
حارات الفقيرة، ووظّف بلطجية باسم "أمن المشر
وع" ق
بل أن يُعلن عن أي مشروع.
حين انفجرت الحرب الأهلية بين الضباط الشباب والقص
ر الملكي، لم تكن معاركها في الجبهات فقط، بل في ت
وزيع المباني المنهوبة، وفتح سجلات الأراضي ليلاً
تحت حراسة جيش متفرّق.
أسرته، التي ظنت أنها نجت بالمال، بدأت تتآكل: ابن
ته الكبرى رفضت الزواج من ابن عمهم لأن خطبتها سُر
بت على شريط كاسيت في محل حلاقة — فضيحة العائلة ا
نتشرت قبل أن تُكتم.
الشريط لم يحتوِ على كلمات، بل صوت بكاءها حين علم
ت أن خطيبها يعرف أنها ليست بكراً — الحكم لم يعد
دينياً ولا عشائرياً، بل تقني: الشريط هو الدليل،
والسماعة هي المحكمة.
سليم أمر بحرق المحل، لكن النار امتدت إلى دكان ال
حلاق المجاور حيث كان يخزن ملفات الرشاوى.
بين الرماد، عثر ولده الأصغر على صورة له مع جماعة
الضباط عام 1951، وهو يسلمهم مظروفًا بذيل لجنة ا
لتأميم — الصورة كانت بيضاء وسوداء، لكن معناها أش
عل حرباً جديدة داخل البيت.
الولد، الوحيد الذي لم يلوث يده، هرب بالصورة إلى
جامعة القاهرة يوم 23 يوليو.
وقف أمام人群 غير مسلحة أمام قصر القبة، رفع الصورة
فوق رأسه، لم يصرخ، لكن الشمس انعكست على الوجه ال
فوتوغرافي لسليم وهو يبتسم — في تلك اللحظة، تحول
المقاول من ولي النعمة إلى رمز للانحلال.
النظام الجديد أعلن تجميد جميع عقود التملك منذ 19
48. الأرض التي بُنيت عليها فيلا سليم في مصر الجد
يدة أُعيدت إلى الفلاحين المسجلين في قرية طرة.
سليم هرب إلى اليونان بجواز مزور، لكن ابنه لم يبع
السر: أرسل الصورة إلى الصحافة بعنوان "وجوه من ا
لخراب".
الابنة، بعد الطلاق المهين، فتحت مدرسة للبنات في
الصعيد بالورقة الوحيدة المتبقية من عقد الأرض الأ
صلية — الموقعة باسم جدّها الحقيقي، الفلاح يوسف.
لم تقل شيئاً عن أبيها، لكن كل فتاة دخلت المدرسة
وقفت أمام لوحة فيها صورة البئر، وبجانبها سطر مكت
وب بخط يدها: "من هنا بدأنا نعود".


