قرية نائية في صعيد مصر، عام 1975، لكن الزمن فيها
لا يمشي كغيره — منذ أن اختفى شيخ البلدة في ليلة
ماطرة عام 1952، حلّ محله "كتاب الطين"،
لوحة من
الحصير والتراب يُستخرَج منها الحكم كل خميس. من ل
مسه ويخرج له رشفة من الماء الحامض، يُسمَع له. هذ
ا النظام استُحدث بعد الثورة، حين سقطت السلطة الر
سمية وتولى السحر الشعبي إدارة النزاعات، القسمات،
وحتى الزواج. العالم هنا يعمل بقانون مختلف: العد
الة تُستخر، والبراءة تُقاس بسواد الحبة التي تخرج
من فم الطفل إذا ما دُعي بالاسم.
رجل في الخمسينات، عاد من السعودية بعد ثلاث عقود
من العمل، يحمل معه صندوق خشب وقلبه مملوء بحنين م
زيف. لم يحسب أن القرية ستكون غريبة عنه. لم يحسب
أن بيته قد هُدم ليُبنى مكانه مسجد صغير بلا مئذنة
، وأن اسمه نُسي من دفتر الحي. لم يحسب أن أخته ال
كبرى ماتت منذ عشر سنين، وأن ابنها الوحيد، الفتى
الذي كان يلاعبه في الصغر، الآن هو "قارئ الط
ين" ا
لجديد.
يدخل السوق يوم الخميس، يسأل عن رغيف. يدفع نقودًا
حديثة، غير متوافقة مع وزن البصل. البائع يرفض، ل
ا لأنه بخيل، بل لأن الوزن يجب أن يُستخر. يحدث جد
ل بصري، ثم احتكاك. يسقط جرة زيت من فوق المنضدة.
الزيت يسيل على الأرض، ويصل إلى دائرة طينية صغيرة
مرسومة عند مدخل المحل — دائرة الحماية. في اللحظ
ة نفسها، تنكسر الدائرة، ويصرخ الجميع. الحادث الم
فتعل، السقوط العادي، يُعدّ في هذا العالم جريمة ض
د "النظام الأثيري". الرجل لم يعلم، لكن
القاعدة و
اضحة: من يفسد الدائرة، يجب أن يُقدم فداءً قبل ال
غروب، وإلا حُكم عليه بالضياع.
يلجأ إلى ابن أخته. يرفض اللقاء أول الأمر. ثم يقا
بله في المقابر، بعيدًا عن أعين الناس. لا كلام بي
نهما، فقط إيماءات. يقدم له صندوقه كهدية. الصندوق
يفتحه القارئ — فيه صور قديمة، ساعة يد، وخطاب غي
ر مرسوم. بمجرد لمس الصندوق، تهتز الأرض تحتهم. صو
ت يأتي من باطن البئر القديم، كأن شيئًا يستيقظ. ا
لقارئ يدرك: الصندوق ملوث بالخارج. لم يُمرر عبر "
باب الاستحمام"، حيث كل ما يأتي من المهجر يجب أن
يُغمس في ماء الجنجل أسبوعًا.
الليلة نفسها، يمرض ثلاثة أطفال في القرية. العيون
تسود، والأصوات تتغير. يُعلن أن الروح العائدة دخ
لت. يجب أن يُقدم المتسبب فداءً: أو يغادر إلى الأ
بد، أو يُدفن حيًا عند باب المسجد حتى تعود الأمور
لنصابها. يختار البقاء. يقف عند الباب، والتراب ي
بدأ يغطي قدميه.
قبل أن يُدفن كاملًا، يُسمع صوت من الطين: الكتاب
يتكلم لأول مرة منذ عشر سنوات. يقول اسمه الحقيقي
— ليس الاسم الذي يعرفه هو به نفسه. ثم يأمر: "ليُ
حرق الصندوق، ويشرب رماده". ينفذ. يأكل الرماد، وي
مسك بجرعة من الماء الحامض. يشرب. يصرخ، لكن صوته
لا يخرج. يركع. التراب يتوقف عن الصعود.
الصباح التالي، يُنظر إلى الكتاب: "قد عاد ال
كامل"
. لا أحد يفهم. لكن الفتاة الكفيفة، التي لم تتحدث
منذ ولادتها، تهمس: "هو لم يذهب أبدًا".
القرية ت
ستأنف دورانها. الطين عاد هادئًا. النظام بقي. ولك
ن في بيت مهجور، تظهر آثار قدم واحدة — داخلًا، ول
يس خارجًا.
الرجل لم يعد كما كان. ولا القرية. ولا الزمن.


