الحرب الأهلية لا تبدأ بالرصاص، بل بانهيار السكن
في القاهرة 1924؛ منزلاً واحداً يُفجّر سقفه من ال
داخل عند ضوء القمر. عائلة رافعة دينية نسائية تتل
قى طلباً من جيش جديد: تُقدّم طفلها للشاعر الثوري
المثالي، ليُصبح ورقة تبادل في سجن مجهول.
الإرادة لا تنكسر إلا عندما تُقفل كل الطرق: المكت
ب الحكومي يُغلق أبوابه في وجه الكاتب الشاب بعد ا
نتهاء "مذكرة الشهادة"، والدفتر الوحيد
المحفوظ في
مقر الزواج الصوفي يُستبدل بقلم حبر مُغسول بدم.
هذا لا يُعَدّ خطأً، بل قانوناً جديداً: لا يُسمح
لأحد أن يُحبّ دون إبلاغ الدولة.
الثوري المثالي يُرفض التنازل عن اسمه، ويُرسل رسا
لة عبر صبيّ فقير من العوام، يُعلّقها على جدار مد
رسة عتيقة في مصر الجديدة. اليوم التالي، يُلقى بج
ثته في باحة الجامع الكبير، وجُرح في صدره يُشبه ز
اوية خاتم العودة. لم يُقتل برصاصة، بل بسيفٍ مُخف
ي في سجادة مُطرزة برمز التركة.
الناس لا يتحدثون. لا يتظاهرون. فقط يحملون صوره ف
ي حقائبهم، ويضعونها في الخزانات قبل النوم. المرأ
ة التي كانت تُحبه تُقدم لبنتها درجة ثانية في الم
عهد، لكنها تُحرق كل الكتب التي كتبها، ثم تُخلع خ
اتم الزواج من معصمها وتُرميه في نهر النيل.
الثورة لا تُنادي بالدم، بل بتوقف الناس عن الدفع.
منذ ذلك اليوم، لم يُسجّل أحد في أي دفتر رسمي. ك
ل عقد زواج يُؤخذ بناءً على رأي الجيران. كل محاول
ة لنقل طفل إلى مستشفى جديدة تُتوقف عند الحدود ال
طبيعية للمدينة.
الرومانسية لم تمت، بل انكمشت في صمتٍ يُعاد ترتيب
ه يومياً. في ساحة باب الشعرية، يجلس رجل يمسك كتي
باً من حرق القلب، يُقرئه بصوتٍ منخفض كل ليلة، حت
ى تُسْمع أخيراً كلمات من سبعينات الماضي: «يا نفس
، لا تخف من الوحدة، لأنها أحياناً تُطلق العنان».
ما بقي من قصة لا يُقرأ، بل يُعيش.


