قرية دمياط النيلية عام 1946، حيث تنحني البيوت ال
طينية تحت ضغط الفيضان المتأخر، وتكشف الأنهار عن
رمال سوداء لم تُرَ منذ عقود. ظهرت الحوريات أول م
رة بعد انحسار المياه، نساء من طين ونور يخرجن من
الترعة عند منتصف الليل، يمسكن بالضفادع الحية ويح
وّلنها إلى كرات من البلور. النظام القديم سقط: لم
يعد الماء مجرد مورد، بل صار وسيطاً للسحر، والكل
مة المكتوبة تتحول إلى سِحر إن حرّفت النية.
نادية، الممرضة الوحيدة في القرية، ابنة خدامة الب
اشا، درست في مدرسة التمريض بالقاهرة بفضل منحة من
جمعية نسائية. عادت بزيها الأبيض وحقائبها الجلدي
ة، لكنها وجدت قريتها مشروخة بين تقليد يرفض الحور
يات كـ"جنٍّ كافر" وفقراء يسجدون لهنّ ط
لباً للشفا
ء. عندما مات ابن الشيخ بسبب حمى التيفوئيد، اتهم
الأهالي الحوريات بالتسميم. الضابط المصري الموالي
للإنجليز طلب شهادة رسمية تُثبت أن السبب مرض، لا
سحر. نادية وقّعت — رغم علمها بأن الطفل كان يشرب
ماء الترعة المسحور — لأنها لو رفضت، ستسحب منها
الرخصة، وتعود خادمة.
في نفس الليلة، انفجرت الترعة. ثلاثون حورية خرجن
من الماء العكر، حاملات أقداحاً من رمل ناعم، وهتف
ن بأصوات لا تشبه لغة البشر. الأرض انشقت، وظهرت ق
نوات جديدة، غير مرسومة على أي خريطة. كل قطرة ماء
أصبحت "شهادة": إن كنت كاذباً حين تشرب،
تجف رئتي
ك. القانون الطبيعي تغير — الصدق لم يعد أخلاقاً،
بل شرط بقاء.
الحرب الأهلية بدأت بين القرى: من يصدق الحوريات ي
بني بيته قرب الماء الجديد، ويأكل سمكاً يتحول إلى
ذهب عند الطهي. من يقاوم، يجوع. الجيش المصري أرس
ل دورية، لكن الجنود الذين كذبوا في تسجيلاتهم سقط
وا فجأة، تراباً في أفواههم. نادية هربت إلى المقا
بر القديمة، حيث لا ماء، فالتقى بها شيخ زار يعرف
كيف يتكلم مع الحوريات دون كلام. أعطاها مرآة من ف
ضة، وقال: "إذا نظرت فيها ورأيت وجه أمك، فأنتِ نظ
يفة". نظرت — ورأت وجه الباشا.
عادت إلى القرية محمولة على أكتاف النساء من الجمع
ية النسائية، اللواتي حوّلن مستوصفها إلى معبد صغي
ر. وقفت أمام الحوريات عند الغسق، وأخرجت شهادة ال
وفاة. مزقتها، ثم غطست يدها في الماء المتدفق من ل
ا شيء. لم تسقط. الماء قبلها. الحوريات انحنين.
النيل تغير مجراه نهائياً، وصار هناك "منطقة الصاد
قين" حيث لا كذب يعيش. نادية بقيت في دمياط، لكنها
لم تعد ممرضة فقط — صارت حارسة الماء، أول إنسانة
تمشي على سطح الترعة دون أن تغرق. الحوريات لم تع
د يظهرن إلا إذا كانت الشهادة موقعة بدم الإصبع. ا
لحرب انتهت، لكن العالم لم يعد كما كان: الكذب صار
موتاً، والماء صار قاضياً.


