القاهرة لم تعد مدينة، بل كومة من طوب متشقق تحت ش
مس لا ترحم، والنيل مجرد خط متآكل في الأرض. الماء
يُوزع ببطاقات من مركز التحكم في الأهرام، والذين
يعيشون حوله يسمون أنفسهم "أبناء الشمس"
، والبقية
يموتون في الصحراء أو يهاجرون إلى ما تبقى من واح
ات. العالم تغير: لا كهرباء، لا شبكة، ولا دين كما
كان — فقط قوانين جديدة تُكتب بالدم على جدران ال
مستشفيات المهجورة.
عائلة باشا، آخر سلالة رسمية، تختبئ في قصر زِينه
الصدأ، وتُدار شؤونه بيد واحدة: فتحية، الخادمة ال
أمينة التي ظلت منذ 1952 تخدم دون أن تسأل، دون أن
ترفع صوتها، دون أن تترك غرفة الغسيل. لكن بعد ال
كارثة، لم يعد أحد غيرها يعرف مكان الخزنة السرية،
ولا كيف تُفتح بخلطة من رموز نجوم ورسوم هندسية ت
ركها الملك فؤاد.
الفتيات اللاتي كن يعملن في صالونات التجميل أصبحن
الآن وسطاء للسلطة، يبعن المعلومات مقابل كيس ماء
أو علبة دواء. إحداهن، زينب، تتسلل إلى القصر بحج
ة تقديم خدمة، لكنها تسرق مخططًا لمحطة تنقية قديم
ة تحت المتحف المصري. هذا المخطط هو بداية المؤامر
ة السياسية: إعادة تشغيل المحطة لا تعني إنقاذ الن
اس، بل السيطرة على المياه، وبالتالي السيطرة على
مصر.
فتحية تكتشف السرقة أثناء تنظيف غرفة الوصي المتوف
ي. لا تبلغ أحدًا. بدلاً من ذلك، تبدأ في تحريك ال
أشياء بنفس الطريقة التي كانت تُعيد بها الملابس إ
لى أماكنها: بصمت، بدقة، بحساب. تُخفّي النسخة الأ
صلية من المخطط داخل بطانية طفل ميت لم تُدفن أمه
بعد. تعرف أن البطولة الفردية ليست في الصراخ، بل
في البقاء صامدًا حين ينهار الجميع.
مجلس الحكماء، وهو اسم جديد لأعضاء البرلمان الساب
قين، يجتمع في مكتبة الإسكندرية الجديدة (المبنية
من صفائح حديد). يقررون إعدام أي شخص يمتلك معلوما
ت عن محطات المياه القديمة. القانون الجديد: "من ي
ملك العلم، يُعتبر عدوًا". هذا القانون ي咬 عندما ت
ُقبض على ابنة عم فتحية بتهمة التخزين. تُقتل شنقً
ا في ميدان التحرير، والجسم يُعلق三天 دون دفن.
فتحية تخرج في الليل، ترتدي عباءة سوداء من زمن ال
جدات، وتحمل المخطط. لا تذهب إلى المجلس، ولا إلى
الصالونات. تذهب إلى حارة السقايين في الصعيد، حيث
لا يزال بعضهم يتذكر كيف يُحفَر البئر، كيف يُستخ
رَج الماء باليد. تُسلم المخطط لشيخ مسن، ثم تعود.
قبل الفجر، تُدهس فتحية بسيارة عسكرية عند مدخل حي
الزمالك. لا أحد يعلم أنها كانت تحمل رسالة مكتوب
ة على قطعة قماش: "السر ليس في الماء، بل في من يخ
دم".
العالم لا يحتفل. لا يوجد تمثال لها. لكن بعد شهري
ن، تظهر أول قطرة ماء من بئر قديم في قرية منسية.
تتساقط على وجه طفل. لا أحد يدري من فعلها. لكن ال
كل يشرب.


