قرية كوم حارث على الضفة الشرقية، عام 1925. الجفا

ف يمتد منذ ثلاث سنوات، والنيل ينكفئ خلف صخور لم

تُرَ من قبل. مجلس العائلات يجتمع تحت شجرة السدر،

ويتخذ قراراً: بنت الشيخ كهلان، نفيسة، تُزوج من

ابن باشا الإنجليزي بالوكالة، مقابل ضخ مياه عبر أ

نبوب حديدي جديد يصل من محطة البسالية.

الزواج مصلحة يُسجل في الدائرة، ولا يُ consummate

في الكنيسة أو الجامع، بل في ديوان البسالة بحضور

المهندس البريطاني وشهود من البوليس المحلي.

المعلم الحكيم، أبو سفيان، رجل في الثمانينيات، كا

ن قد اعتزل التدريس بعد ثورة 1919 حين طُرد من معه

د دار العلوم لرفضه تدريس التاريخ المُعدّل من الا

ستعمار. يعيش في كوخ من الطين قرب المقابر القديمة

، ويعرف أسماء النباتات التي اختفت، ولغة الهياكل

النحاسية التي ظهرت مع انحسار المياه. يكتشف أن ال

أنبوب لا يسحب من النيل، بل من قناة تحت الأرض، تم

ر عبر موقع أثري مهجور — مكان كان يُسمّى "عين الص

وت" في الخرائط القديمة.

أبو سفيان يحذر: الماء ليس للمشاريع، بل نظام حكم

قديم. كل من يشربه ينسى اسماً مهماً خلال أسبوع: ا

لأولاد ينسون أسماء الأمهات، النساء ينسون أسماء أ

ولادهن، والمحبوب يصبح غريباً في عين محبوبه. هذه

هي الآلية الجديدة للعالم: النسيان كعملة، والهوية

كعرض مؤقت. القانون غير المكتوب يظهر: من يشرب من

الأنبوب يفقد شيئاً من روحه، لكن من يرفض يموت عط

شاً.

نفيسة، رغم زواجها، ترفض الشرب. تحمل في جرابها بذ

ور قُطْن نيلية قديمة، كانت تزرعها جدتها، وتنتظر

موعد الزراعة دون ماء. أبو سفيان يعلّمها صلاة قدي

مة من اللسان المصري المفقود، تُقال على حافة الما

ء، لكنها تفشل حين تسمع أن زوجها الجديد — الذي لم

تره — بدأ يشرب، وقد نسي اسمها من أول يوم.

في ليلة الزفاف الوهمي، يُضاء الديوان بالكهرباء ا

لمستوردة، ويُوزع الماء على الأهالي. نفيسة تقف عل

ى الحافة، تسقي بذورها بماء عيونها. أبو سفيان ينز

ل إلى العين السفلية حاملاً حجراً نبيلاً من عصر ا

لبطالمة، يركع ويهمس الكلمة الأخيرة من لغة الفراع

نة — لا يُسمع الصوت، لكن الماء يتوقف فجأة عن الت

دفق.

الأنبوب ينفجر عند الفجر. النيل لا يعود، لكن الأر

ض تشقّقت حيث زرعت نفيسة، ونبت شيء أخضر من غير ري

. الناس يقفون حول البئر الجاف، لا يعرفون بعضهم.

أبو سفيان يقع على الرمال، يكتب بأصبعه في التراب:

"نفيسة"، ثم يمسح الاسم بيده. يموت وهو

يحاول تذك

ر وجهها.

نفيسة تبقى وحيدة في الكوخ، تطعم البذور بالمطر ال

وحيد الذي نزل تلك السنة. لا زوج، لا ذكرى، لا شها

دة زواج تُقبل في المحكمة. القرية تُنقل رسمياً إل

ى خريطة المشروع الزراعي الجديد، باسم آخر. البذور

تنمو، لكن لا أحد يعرف ماذا ستُنتج.

نظام العالم تغير: الحب لم يعد ممكنًا لأن الذاكرة

صارت نادرة. الزواج لم يُنقذ القرية، بل حرّض على

النسيان. والمعلم الحكيم لم يُنقذ الفتاة، لكنه ع

لّمها أن تزرع في الزمن الذي لا يرحم.