القاهرة 2043، بعد الانهيار التام للدولة إثر كارث
ة المياه. شبكة البطاقات الذكية المعمارية — التي
كانت تتحكم في توزيع الماء والهواء والكهرباء — ان
هارت. الناس صاروا بلا رقم وطني حقيقي، وكل من يمل
ك شريحة قديمة يدّعي من هو ما يشاء. البقاء صار با
لانتماء لأحد الأحياء المسلحة أو بالاختفاء.
في حي السيدة زينب، امرأة تُعرف بـ"الست نفيس
ة" تس
كن عمارة مائلة من خمس طوابق. كل يوم تصعد على الس
طح تروي النباتات الصبارية بدموعها المحفوظة في قن
ينات. هي جارة فضولية من زمن ما قبل الكارثة، ما ز
الت تحتفظ بدفتر ملاحظات أسود تسجل فيه كل حركة في
الشارع: متى دخل أحد، ومتى خرج، ومن نزل بجرح، وم
ن لم يعد.
تشاهد ست نفيسة رجلاً غريباً يدخل العمارة كل أسبو
ع، يرتدي عباءة رمادية ويحمل حقيبة بلا سِمة. لا ا
سم له في لوحة المقيمين، ولا بصمة في شبكة الحي. ت
تعقب خطواته، ترى أنه يزور شقة مهجورة في الدور ال
رابع، يخرج منها بملفات قديمة مطبوعة على ورق معفن
. تفتح صندوق القمامة ليلاً، تجد بين القصاصات صور
ة بطاقة هوية مزورة باسم "كمال عبد النبي&quo
t;، موظف س
ابق في إدارة الطوارئ الوطنية.
تكشف أن الرجل الحقيقي مات منذ ثلاث سنوات، لكن هذ
ا الشخص استخدم بيانات الموتى لإنشاء هوية جديدة.
لا يفعل ذلك من أجل النهب، بل لدخول المباني الحكو
مية المهجورة واستخراج ملفات نظام التحكم في الميا
ه. يحاول إعادة تشغيل محطة تنقية في المنيب، مشروع
حكومي قديم كان من المفترض أن ينقذ المدينة.
ست نفيسة تهدده بكشفه، لكنه يعرض عليها الصفقة: مس
اعدة في تزوير هوية جديدة له، هذه المرة باسم "فار
س"، اسم وهمي مرتبط بشبكة إنذار قديمة، بحيث يمكنه
اختراق المحطة دون تتبع. ترفض في البداية، لكنها
تراه ينقذ طفلاً من اختناق بالغاز في العمارة المج
اورة باستخدام أداة صنعها من بقايا الثلاجات.
توافق. تستخدم معرفتها بزمن ما قبل الكارثة — كيف
كانت تُختبَر البصمات، وكيف كانت تُختبر الأختام ا
لورقية — لتزوير هوية كاملة على ورق مقاوم للرطوبة
، مستخدمة ختماً نحاسياً من متجر والدها القديم. ت
عطيه البطاقة، لكنها تضع فيه شريحة دقيقة من الزجا
ج المكسور، تظهر عند المسح الضوئي كعيب تقني، لكنه
ا في الحقيقة تميز البطاقة كمزورة لدى أي نظام لا
يزال يعمل.
الرجل يدخل المحطة. النظام يتعرف على الشريحة، يسم
ح له بالدخول، لكنه يطلق إنذاراً صامتاً في شبكة ا
لحي. المجموعات المسلحة تحاصر الموقع. هو يكمل الع
مل رغم النار والرصاص، يصل إلى غرفة التحكم، يركّب
الجهاز النهائي.
المحطة تعود للعمل. الماء يتدفق في أنابيب قديمة،
أول مرة منذ عشر سنوات. الناس في الأحياء الفقيرة
تشرب من الصنابير العامة، تصرخ، تبكي. التيار يعود
جزئياً، الإضاءة تلمع في بعض الشوارع.
ست نفيسة تراقب من بعيد، تحمل نفس الدفتر الأسود.
تكتب: "اليوم، ولد بطل من رحم الخوف". ت
ضيف تحتها
باسم صغير: "فارس. هوية مزورة. قلب حقيقي".
في الصباح التالي، تجد بجانب بابها باقة من زهرة ا
لياسمين، ملفوفة بقطعة من الورق المقوى الأبيض. لا
رسالة. فقط رسمة لامرأة تقف على سطح، وخلفها مدين
ة تشرب الحياة من جديد.
الحب لم يُنطق، لكنه فعل.


