الفيضانات اجتاحت الوادي في شتاء 135، لم تكن طبيع
ية، بل نتاج كسر متعمد في سد صغير بقرار من "لجنة
التوزيع المركزية" التي لم تعد تخضع لأي رقابة. ال
مياه جرفت قرى بأكملها، وحولت الصعيد إلى شبكة من
الجزر المنعزلة، كل منها تعتمد على "نقطة تجم
يع" ح
كومية واحدة لتوزيع الطعام والوقود. هذه النقطة أص
بحت مركز السلطة الوحيد – من يتحكم بها يملك الحيا
ة.
الطفل اختُطف من حضن أمه أثناء توزيع الحصص في نقط
ة قرية النور. لم يُرَ أي خاطف، لكن السجلات الرسم
ية سُجلت الحالة بـ"فقدان غير مصنف"، وا
لملف أُغلق
تلقائيًا بعد 48 ساعة حسب النظام الجديد. الأم حا
ولت الطعن في القرار، فتم تجميد حصص عائلتها ثلاثة
أسابيع. لا أحد يتكلم. الخوف يسري مثل البلل في ا
لجدران.
الشيخ سليمان، إمام القرية القديم، لم يعد يملك سو
ى هيبته. لم يوقع على "تعهد الطاعة" الذ
ي تطلبه ال
لجنة من رؤساء العشائر، فحرموه من إذن السفر لزيار
ة ابنه المريض في الأقصر. هو الوحيد الذي يجرؤ على
الوقوف أمام شاحنة التوزيع ويعلن أن الطفل لم يُف
قد، بل أُخذ. موقفه يشعل شرارة توتر بين العشائر،
وكل عائلة تنتظر من سيتحرك أولًا.
خلال ليلة مقمرة، يكتشف الشيخ أن ملفات جميع المفق
ودين من القرى المجاورة تم تحويلها إلى "وحدة إعاد
ة التوطين"، وهي موقع سري في صحراء قنا لا يظهر عل
ى الخرائط الرسمية. الدخول إليه يتطلب بصمة بيومتر
ية من موظف درجة ثالثة فما فوق. الشيخ يعلم أن الم
وظف الوحيد في المنطقة بهذا التصنيف هو مدير التوز
يع – الرجل الذي يرفض استقباله منذ شهر.
الشيخ يتنكر بزي عامل نقل، ويحمل صندوق تبرعات ممل
وء بالبطاطس المتعفنة كغطاء. عند الحاجز، يُسأل عن
هويته، فيمد يده ليسلم البطاقة – لكنه يدفع الصند
وق فجأة نحو الجنود، فيسقطون في الظلام. يدخل المب
نى المؤقت، ويصل إلى غرفة الخوادم. هناك يرى شاشة:
273 رضيعًا مسجلين كـ"محفوظين مؤقتًا"،
معظمهم من
المناطق التي "تخلّت عن التمرد". النظام
يحوّل ال
أطفال إلى وحدات "إعادة بناء ديموغرافية".
قبل أن ينسخ البيانات، تنطلق صفارة إنذار. الحراس
يتدفقون. الشيخ يحرق الخادم بقارورة بنزين كان يخب
ئها تحت الجبة. اللهب يلتهم الملفات، ويحول السجلا
ت إلى رماد. يهرب عبر البئر القديم، ويعود إلى قري
ته محمولًا على أكتاف الشباب.
في الصباح، تنتشر القصة سرًا عبر الراديو المهرّب.
ثلاث قرى تقطع إمدادات التوزيع احتجاجًا. اللجنة
ترسل رسالة: "العملية مستمرة كالمعتاد".
لكن في قر
ية النور، أُقيمت شجرة صغيرة باسم الرضيع المختطف،
ووضعوا تحتها حجرًا من أنقاض الخادم المحترق. لا
عودة للطفل. لكن لا عودة أيضًا إلى الصمت.


