السماء اتلونت بلون الرماد من يوم ما انفجرت محطة
توشيبا النووية جوه قناة السويس، والناس اللي نجت
من الانفجار الأول ماتت بعدين من العطش أو الجوع أ
و بعضها. المدن الكبرى تحطمت، الحكومة اختفت، والذ
ين بقوا أنشأوا مستوطنات حول أي مصدر مياه نظيف، ب
تحتكم لقوانين صارمة: مفيش تكاثر بدون ترخيص، مفيش
طعام يُختزن لأكتر من أسبوع، ومفيش علاقة بين الم
ستوطنات — الخيانة تعني الإعدام بالدفن الحي.
البنت، ليلى، بنت فلاحين من القرية اللي غمرت سدها
بعد الطوفان، نجت بجرح في رجلها وبس. وصلت لمدينة
الأنقاض، دخلت مستوطنة "الضوء" وهي متعل
قة بأمل ب
سيط: إنها تلاقي أهلها. لكن التعداد البشري كان مغ
لق، والدخول الوحيد يكون بالزواج من واحد من الداخ
ل. النظام بيفرضه كوسيلة للتحكم في النسل وفي التو
زيع. ليلى رفضت أول طلب، فتم حبسها أسبوع في بيت ا
لأرض، بلا طعام، إلى إن وافقت.
اختاروها لـ"أكرم"، الابن البكر لرئيس ا
لمستوطنة،
وهو شاب خائف من قرارات أبيه، بيكتب أسماء الموتى
على ورق زبالة ويحرقها كل ليلة. الزواج حصل بليلة
باردة، تحت شمس خافتة، وبدون أفراح. ليلى ماكلتش ف
ي ليلتها، ورفضت تنام في الغرفة. اليوم التالي، شا
فت أكرم وهو يخبّي كيس طماطم مجففة تحت سريره — فع
ل ممنوع، لأن التخزين مخالف للقانون. صمتت.
بعد أسبوعين، لقت ورقة مكتوب عليها اسمها واسم أكر
م معًا، مرسومة قلب فوقهم. ورقة تافهة، لكنها كانت
أول مرة حد يحس إنها بشر. بدأت تلاحظ إن أكرم يرو
ح لجدار المستوطنة كل ليلة، ويضع قطعة خبز صغيرة ف
ي شق في الحجر. عرفت إنه بيخدم شخص بره — حرامي، أ
و مطرود، أو ببساطة حلم مات.
قررت تتبعه. لقت الولد الثاني من مستوطنة "ال
نور"،
ابن عم أكرم، اللي تم طرده لأنه رفض يخدم في الحر
اسة. الولد كان مريض، عنده حمى الإشعاع. أكرم كان
بيحضر له دواء من الصيدلية المسروقة، وبيخليه حيّ.
ليلى وقفت في الشق، ماكلمتهمش. بس في اليوم التال
ي، وضعت هي كمان قطعة خبز في الجدار.
الحراس لقو الأثر. القانون يقول: كل من يتعامل مع
الخارج يُعتبر خائن ويُطبق عليه العقاب الجماعي. أ
كرم وأبوه وليلى — الثلاثتهم يدفنوا أحياء. الأب ر
فض، فانتحر قبل ما يقبضوا عليه. أكرم وقف في الحفر
ة، وليلى وقفت بجانبه. الحفرة بدأت تُملأ.
في اللحظة الأخيرة، ليلى صرخت لأكرم إن يشد على إي
دها. الحفرة مليانة نصفها، والرمال بدأوا يغطيهم م
ن الخصر. الحرس وقفوا شايفين. الحد الأقصى من العق
اب تم تطبيقه، لكن محدش قال إنهم هيتموتوا فورًا.
ليلى وقفت، سحبت أكرم، وطلعوا من الحفرة واقفين عل
ى جثة الرئيس. الحرس ماقدرش يتحرك، لأن القانون ما
وضحش موقف "النجاة من العقاب المفروض".
المستوطنة انشقت. نص الناس آمنوا إن القانون مات م
ع الرئيس، ونص مصدق إن الخيانة لازم تُقتل. ليلى و
أكرم هربوا برا المدينة، وركبوا على ظهر عربة حمير
قديمة مليانة مياه ودواء. وراهم، النار بدأت تأكل
"الضوء".
وصلوا للواحة الصغيرة اللي كان يختبئ فيها ابن الع
م. وقفوا قدام الخيمة، شايفين شروق الشمس الأول من
غير رماد. ليلى فتحت كيس الخبز، قطعته تلاتة، ونا
ولت واحد لكل واحد. مفيش قانون هنا. مفيش مستوطنة.
مفيش مستقبل مضمون. بس في خبز. وفي حب. وفي بصمة
بنات صابرة على رمال ما بعد الكارثة.


