القاهرة بعد "اليوم الأبيض"، حين اختفى
نصف السكان
وانهارت الدولة. بقي من بقي تحت أنقاض الأحياء ال
قديمة، حيث اجتمعت العائلات في عمارات مهجورة، وكل
حي وضع قوانينه الخاصة بالنجاة. في حي السيدة زين
ب، أصبحت المساجد مغلقة، والمآذن تُستخدم كأبراج ح
راسة. دخلت فترة ما بعد الكارثة بقانون جديد: لا و
رثة بدون شاهدين من لجنة الحي، ولا شهادة إلا بتأي
يد الجيران. هذا النظام استبدال للدولة الغائبة، ل
كنه حوّل الدين إلى أداة ضغط، ليس عبادة.
أم نادية، الجارة الفضولية التي تعرف كل شيء عن كل
بيت من شباك مطبخها، لاحظت غياب أحمد بكري عن صلا
ة الجمعة الثالثة. ذهبت لتفقد الأمر، فوجدت الباب
مفتوحاً، وجسد أحمد على الأرض، وحوله أوراق ممزقة.
لم تسرق أي شيء، لكنها جمعت المخطوطة المبعثرة —
وصية كتبها أحمد قبل الموت، يعترف فيها بأن ابنه ا
لشرعي ولد من علاقة خارج الزواج، ويُوصي بأن يرث ك
ل شيء. الوصية مرفقة بصور طبية وشهادة زواج باكستا
نية قديمة، مستحيلة التصديق.
الأمر انتقل للجنة الحي، برئاسة الشيخ علي، الذي أ
علن أن الابن غير موجود شرعاً، فالزواج البكستاني
لا يُعترف به دينياً، ولا يمكن لمن ليس له اسم في
السجلات أن يرث. أم نادية، التي كانت تراقب من بعي
د، سربت نسخة من الوصية لعائلة الأم المتوفاة في ا
لإسكندرية. خرجوا بسرعة، وطالبوا بالجسد والملكية.
بدأت الفتنة: بعض الجيران قالوا إن القانون يجب أ
ن يُطبّق، آخرون قالوا إن الابن الوحيد حقه الحماي
ة، خاصة أنه كان يعيش في الدار مع والده منذ الطفو
لة.
في اليوم السابع من العزاء، قامت اللجنة بإحراق ال
وصية في ساحة الحارة، أمام الجميع، كجزء من "تطهير
الروح". لكن أم نادية كانت قد خبأت النسخة الأصلي
ة داخل كتاب "الروحانيات" عند زوجها الم
توفي، في ر
كن الصلاة. لم تفعل ذلك بدافع الحب، بل لأنها عرفت
أن الأخ الأصغر لأحمد، الذي كان يتربص بالميراث،
هو من دفعه للانتحار. وجدت رسالة مخفية في نفس الم
لف، تؤكد أنه هدد أحمد بأنه سيُحرق سمعته إذا لم ي
ُكتب له البيت.
في منتصف الليل، خرجت أم نادية إلى السطح، ووضعت ا
لنسخة الأصلية في صندوق حديدي مع شريط كاسيت قديم
سجّل عليه أحمد صوته، يشرح كل شيء. أرسلت الصندوق
إلى محامية في الإسكندرية عبر شبكة دراجات نارية ص
غيرة تعمل بين المدن المنكوبة. في الصباح، وجد الن
اس الباب مغلقاً، والبيت مُختوماً بعلم الجمهورية
القديم، الذي لم يعد له معنى، لكنه ظل رمزاً.
الشيخ علي حاول إصدار فتوى بتجريم أم نادية، لكن ا
ثنين من أبنائه انضموا إلى شبكة التوصيل، ورفضوا ت
نفيذ الحكم. قانون الحي بدأ بالتصدع. في الأسبوع ا
لتالي، بدأت عائلات أخرى بتقديم وثائق قديمة، مطال
بة بحقوق مجمدة. نظام الميراث الذي بناه الحي على
الدين والتقاليد انهار، ليس بسبب الثورة، بل بسبب
جارة واحدة رفضت الصمت.
العالم لم يعد كما كان: لا سلطة مركزية، لا شرطة،
لا محكمة. لكن في هذا الفراغ، ظهر نوع جديد من الع
دالة — لا تُبنى على الشهادات فقط، بل على من يجرؤ
على حفظ الأدلة. أم نادية لم تعد مجرد جارة فضولي
ة. أصبحت الوحيدة التي تملك صندوقاً من الماضي، وت
عرف أين تُخبأ الحقيقة.


