1973، القاهرة بعد الانفتاح. ارتفاع أسعار القمح ي
دفع بيت عويس إلى بيع دكانهم في حي الشرابية، الان
تقال إلى عمارة متهالكة في المطرية يفتح جرحاً قدي
ماً: أم نادية، البنت الوحيدة، تُعامل كغريبة في ع
يون الجيران؛ لون بشرتها الداكن، لهجتها المختلفة،
وصمتها الطويل تُعدّ علامات سحر عند البعض، وعيب
عند آخرين.
الأزمة تبدأ حين تُطرد نادية من مدرسة الصنايع بسب
ب "نظرات تحرق الزجاج"، الشائعة تنتشر ك
الفطيرة ال
ساخنة: بنت عويس عندها "عين" من زمن ما
قبل الجمهو
رية، زمن كان فيه المعلمين الحكماء يحفظون الأسرار
تحت التراب. أحد هؤلاء، الشيخ زكريا، يظهر فجأة أ
مام باب العمارة، عصاه من خشب السمر يقرع الأرض ثل
اث مرات — في الحال، كل الكلاب في الحي صمتت، والن
سيم تغير جهة.
يدخل الشيخ زكريا حياة العائلة بلا دعوة، يطلب غرف
ة صغيرة مقابل "رعاية الروح". الأب يرفض
، لكن الأم
توافق بعد أن ترى نادية تنام وتتحدث بلسان قديم،
كلمات من لغة لم تُكتب في كتب الوزارة. الشيخ يبدأ
بتعليمها طقوساً: غسل اليدين بتراب المقابر، كتاب
ة أسماء ممن ماتوا قبل الاستقلال على ورق أرز، ثم
حرقه عند الفجر. مع كل طقس، تهتز أعمدة الكهرباء ف
ي الحي، وتتعطل الراديوهات.
صراع النفوذ يشتعل بين حي المطرية والحسين. شباب م
ن الحسين، بقيادة ابن عمّ زكريا الذي يعتبر نفسه و
ليّ العلم، يتهمون الشيخ بـ"إيقاظ ما يجب أن يبقى
تراباً". يرسلون وفداً يطالب بطرده، يحملون م
عهم "
قانون الجماعة": من يمسّ التقاليد يُعزل. الشيخ ير
د بفعل غير متوقع: يوزع على الأطفال في العمارة قط
ع نحاس عليها رموز لا تُقرأ، ويأمرهم بأن يضعوها ت
حت وسائد آبائهم. في الليلة نفسها، كل رجل في العم
ارة يحلم بجدّه الذي قاتل في ثورة 1919، ويصحو باك
ياً وهو يتوسل الصفح.
الدولة تتدخل. موظف من وزارة الثقافة يصل، يطلب من
الشيخ تسليم "الأثر" لأنه يهدد النظام ا
لعام. الش
يخ يرفض، فيُعتقل. نادية، وحدها الآن، تذهب إلى ال
مقابر الخلفية في البساتين حيث دفن الشيخ دفتره ال
أخير. تحفر بيديها، تجد الكتاب ملفوفاً بقطعة قماش
زرقاء من جلباب الملك فؤاد.
تفتحه. الصفحة الأولى: اسمها مكتوب منذ مئة سنة. ا
لصفحات التالية فارغة إلا من نقطة دم في الزاوية.
تفهم: هي ليست تلميذة، بل استمرار. تعود إلى العما
رة، تقف في السطح، ترفع الدفتر نحو القمر. في تلك
اللحظة، تنطفئ جميع الأنوار من المطرية إلى عين شم
س، ثم تشتعل مرة واحدة — باللون الأزرق.
الشيخ يُطلق في اليوم التالي، لا أحد يعرف بأمر من
. يعود إلى الغرفة، يجد نادية جالسة تصلي على سجاد
ة قديمة. يبتسم ابتسامة أول مرة يراها فيها طفلة.
لا ينطق، فقط يضع يده على رأسها. حرارة يده تشبه ش
مس شهر يوليو.
العالم تغير: من ذلك اليوم، كل فجر، يسمع سكان الأ
حياء الشرقية صوت إذاعة قديمة تُذيع خطابات لم تُس
جل، بصوت نساء من زمن الثورة. بعضهم يقول إنها إشا
رة، والبعض يقول إنها علامة. لكن الجميع يعلم: الز
من لم يعد خطاً مستقيماً.
نادية لم تعد غريبة. لكن الغربة بقيت — ليس لأنها
من مكان آخر، بل لأنها ترى ما لا يراه الآخرون. ال
شيخ يعلمها أن هذا النوع من الحنان لا يُولد، يُكت
سب بنار السنين.


