القاهرة 2023، في زمنٍ لم يعد فيه السحر مجرد كلام
نسوان في المطبخ. بعد موجة حرّ قطعت الكهرباء لأس
ابيع، بدأت العيون ترى ما كان مخبّى: النساء اللوا
تي يحملن "الحِرف" منذ زمان الأجداد يصر
ن يبنين نا
رهن في أسطح المنازل، ويستدعين الجِنان بلا طبل ول
ا دخان. الدولة تنكر، المساجد تنذر، لكن الشوارع ص
ارت تعرف طريقها إلى أم كرامة في حي الشرابية — ال
ساحرة الشعبية التي لا تسأل عن دين ولا فاتورة ميا
ه.
عائلة فقيرة في حي آخر تخسر رضيعتها في ليلة ماطرة
. لا بصمات، لا كاميرات، لا جريمة. فقط سرير فارغ
ورائحة كبريت خفيفة. الشرطة تغلق الملف. الأب ينها
ر. الأم تصمت. لكن الجارة الكبرى، جارة من زمن ما
قبل الهواتف، تذهب إلى أم كرامة وتسقط صورة الطفلة
في وسط النار المشتعلة على السطح.
النار تتغير — تصير خضراء. أم كرامة تسقط مغمى علي
ها. تصحو وتقول اسم مكان قديم: مقابر الباسوس، حيث
كانت تُحرق الجثث في العصر الروماني. ترفض الذهاب
، لأن القانون القديم يقول: من تدخلت بشؤون الجن،
لا تعود كما دخلت. لكن الأم تقف أمامها عارية الحز
ن، فلا تستطيع الرفض.
في منتصف الليل، تسير المرأةان عبر المقابر المهجو
رة. الأرض تمتص الصوت. السماء لا تُظهر نجوماً. عن
د حجر مقلوب، تنفتح الأرض قليلاً، ويخرج صوت يشبه
بكاء توأم. أم كرامة ترسم دائرة بالملح والنفط، وت
همس بكلمات لم تُكتب في قرآن ولا كتاب. الجن تظهر
— ليس شكله من هذا العالم. يعرض عليها الصفقة: ابق
ي لنا واحدة منكن، نعيد الرضيعة.
تقف الأم صامتة. أم كرامة تنظر إليها. لا كلام. لا
بكاء. فقط عينان تفهمان أن هناك ثمناً للعودة. تس
حب خنجر الصدف من تحت عباءتها، وتغرزه في يدها الي
منى — اليد التي ترسم بها الدوائر. الدم يسيل على
الحجر. الصفقة تنكسر. الجن يصرخ، الأرض تهتز. الرض
يعة تُلقى على الأرض، سليمة، تنام.
أمسكَت الأم بابنتها. أم كرامة لم تعد تقدر أن تصن
ع دائرة نار مرة أخرى. قدرها ذهب مع الدم. لكن في
اليوم التالي، نساء من كل أنحاء القاهرة بدأن يطرق
ن بابها. لم تعد وحيدة. النار في الأسطح انتشرت أك
ثر. حتى في المهندسين وفي المعادي، ظهرت دوائر ملح
صغيرة على الأسطح.
الدولة أصدرت بياناً: "لا وجود للخرافات"
;. لكن الك
هرباء انقطعت مجدداً. وهذه المرة، لم ترجع.


