أواخر عام 1947، بدأت وزارة الداخلية تُطبّق نظام
البطاقة الوحيدة بعد أن دمّر حريق "السجلات المركز
ية" في القاهرة معظم الأرشيف العثماني والملكي. لم
يعد لأي مواطن وجود قانوني إلا عبر طابع حكومي أخ
ضر يُصدره مكتب التوثيق الوطني، وكل من لا يملكه ي
ُعتبر "ظلّ بلا جسد".
محمود فهمي، محقق خاص عمل لسنوات في تتبع حالات ال
غش التجاري وقضايا الزواج الفاسد، ذهب ليجدد بطاقة
هويته بعد تغيّر عنوانه في سيدي جابر. المكتب رفض
طلبه؛ اسمه غير موجود في السجل الإلكتروني الجديد
. قال له الموظف: "أنت مش متسجّل، يبقى مش مو
جود".
لم يضحك أحد.
بدون بطاقة، فقد محمود إمكانية استئجار سيارة، أو
الدخول إلى مستشفى حكومي، أو حتى شراء تذكرة قطار.
البنك جمد حسابه لأن النظام لم يعد يعترف بتوقيعه
. زوجته بدأت تنظر إليه وكأنه شخص آخر. بدأ يركض ب
ين الوزارات، يحمل شهادة ميلاده، صورة جواز سفر قد
يم، خطاب من الكنيسة، كلها رُفضت بعبارة واحدة: "م
ش معتمد بالمنظومة".
اكتشف أن عشرات الآلاف مثله، خاصة من الطبقة الوسط
ى القديمة، قد تمّ محوهم من السجلات بسبب "خطأ في
النقل الرقمي". لكنه لاحظ نمطًا غريبًا: كل من فقد
هويته كان معارضًا صامتًا للحكم الملكي، أو له صل
ات بأعضاء في حركة 1919، أو ناصر سابقًا في معارضة
الاحتلال.
بدأ التحقيق سرًا. تسلل إلى مكتب التوثيق ليلاً، و
وجد ملفات سرية تحمل ختم "تصنيف هوية: غير مؤهل لل
انتماء". النظام الجديد لم يكن خطأ تقنيًا، بل أدا
ة متعمدة لتقطيع أوصال الهوية الوطنية من الداخل،
واستبدالها بهوية إدارية ضيقة لا تعترف بالتاريخ،
ولا بالمناضلين، ولا بالشهداء. من لا يخدم الدولة
الحديثة، لا يستحق أن يكون مواطنًا.
في ليلة الشتاء الأخيرة، سرق محمود نموذجًا فارغًا
من البطاقات الخضراء، وقام بتزوير بطاقة باسم جدي
د: "إسماعيل عبد الجواد"، وهو اسم شهيد
من ثورة 19
19 اختفى من الكتب المدرسية. طبع الاسم، وضع صورته
، وأرفق توقيعه. عند الفجر، وقف أمام مبنى البلدية
، وألصق البطاقة على الباب الرئيسي، ثم تركها هناك
كدليل.
اليوم التالي، ظهرت العشرات من البطاقات المزورة ع
لى أبواب المنازل في الحارات القديمة، جميعها باسم
اء مواطنين "محوّيين"، جميعها موقعة باس
م "إسماعيل
عبد الجواد". الشرطة داهمت المنطقة، لكن لم تجد أ
حدًا. النظام بدأ ينهار من الداخل، ليس بالعنف، بل
بالسخرية: كيف تثبت أن رجلاً غير موجود... لا يوج
د؟
محمود لم يعد محققًا خاصًا. لم يعد شيئًا رسميًا.
لكن في الأحياء، بات يُعرف بـ"الرجل اللي فقد ورقه
"، واللي رجع للشعب ورقه.


